في قرية صغيرة نائية، ولد طفل صغير، لم يكن كباقي الأطفال كان شعلة من الذكاء والدهاء والحيوية، لا أحد يعرف كيف ياخذ الطعام من اقرانه ورفاقه، لا أحد يعرف ماذا يقول لهم حتى يعطونه كل مالديهم ، وعبسا تبوء محاولات الأمهات بنصيحة ابنائهم، لا تعطوه، لاتدعوه يخدعكم، لكن هيهات، دائما تبوء محاولات الأمهات بالفشل، فالاطفال يعطونه بكل ارادتهم ، لاندري ان كان خوفا او شفقة او محبة، كان كمن يسرق الكحل من العين كما يقال.
كبر وكبرت أفعاله وزاد دهائه وتطورت اساليبه، السارق يسرق في الليل متخفيا خائفا، لكنه على العكس كان يسرق في وضح النهار، على أعين الجميع، فقد عدم المبادئ والأخلاق والقيم فالسارق يسرق المال فقد، لكنه كان يسرق بالإضافة إلى المال الأخلاق والقيم فبسسببه كثيرا ماتوقف الناس عن تصديق الناس وبسببه كثيرا ماتوقف الناس عن مساعدة الناس فهو كالمرض يفسد ويلوث ماحوله.
كان يحيك قصته كما في الأفلام، فيرسم المشاهد ويحضر الشخصيات.
يحكى انه ذات يوم تقمص شخصية بائعا متجولا يبيع قناتي الغاز، فكان يأتي بسيارته البيك اب وبها قناني الغاز، فيبدل القناني الفارغة للناس بالممتلئة، بسعر زهيد اقل من رفاقه، فاحبه الناس، ووثقوا به، وفي يوم من الايام جاء بسيارته فارغة، واخبرهم ان محسنا كبيرا يريد أن يملاء لهم القناني الفارغة بالمجان، فتسارع الناس لاعطائه القناني الفارغة، حتى متلئة سيارته، وعاد مرة أخرى ليأخذ الباقي، ومنذ تلك اللحظة لم يره احد، لم يعد إلى القرية لا هو ولا قناني الغاز، أين سيجدوه وهو بغير اسم، وبغير شكل، هل اخطؤا عندما صدقوه ام أخطاء عندما خدعهم، مالذي دفعهم للتصديق هل هو الفقر، ام الطمع، امالطيبة، مهما يكن فلم يخطؤا بل أخطأ سارق المبادئ والقيم.
يحكى انه ذات يوم انتحل شخصية مهندس للطرقات يمسح ويخطط الاراضي، فأخذ ادواته ومعداته وذهب ليمسح الأراضي، فكان يخبر صاحب الأرض ان الطريق سيمر بارضه، فيحزن صاحب الأرض ويرجوه ان يغير الطريق ولا يأخذ أرضه، فيخبره ان ذلك ممكن، ولكن يحتاج لمال، فيدفع له صاحب الأرض ما يريد، وهكذا في يوم واحد جمع الكثير، ثم اختفى وغيرها الكثير من القصص، لقد كان ماهر في جعل أكاذيبه الكبيرة بسيطة، معقولة قريبة الى عقول الناس وامانيهم ورغباتهم وامالهم فيصدقونها.
حتى عندما تزوج نصب على زوجته وأهلها، فقد حاول مرارا ان يخطب أحدا بنات قريته لكن احد لم يكن يرضا ان يصاهر النصاب، الغني بالمال الفقير بالأخلاق.
فلجا إلى بلدة بعيدة عن قريته واشترى منزلا وأسس عمل واشتهر في بلدته، وخصوصا انه انسان لطيف حسن اللفظ والعشرة، فتزوج من القرية، بعد أن اخبرهم انه وحيد لا أهل له، لا أعرف اذا ماتوقف عن النصب ام مازال.
اتسال في نفسي هل كان ذكيا ام غبي، ماذا لو استثمر هذا الذكاء وهذه الحنكة في طريق الخير، كم كان سيغير وكم كان سينشر الخير كم كان سيجمع حوله أناس صادقين يحبهم ويحبون بصدق لربما أصبح زعيما للقرية، اتسال ماذا ربح، لقد ربح مالا فقد، لكنه خسر اهلا ووطنا واصدقاء، لا يستطيع حتى أن يخبر أولاده عن طفولته من أين أتى؟ ماذا فعل؟ كيف عاش؟ أين أصدقائه؟. هل يستحق المال كل هذه التضحيات؟ هل يستحق أن تعيش منفيا في وطنك؟ لا أعتقد، لقد كان غبي لم ينظر إلى البعيد نظر إلى الحاضر ولم ينشغل بالمستقبل، فكان مصيره مصير المنفى في بلده الغريب بين أهله
تلك خاطرة عن ذكاء ضائع في طريق الشر وخيانة الأمانات، يلوث المبادئ،والقيم،ويخدع الناس كم مؤلم ان تتلقى الطعنات ممن آمنت له.

i love you
إعجابLiked by 1 person
شكرا جزيلاً
إعجابإعجاب